السبت، 15 ديسمبر، 2012

فوهات براكين

تعي الكلمات التى تحرق الأعماق لحظة بوح تتوالد فيها الحروف من
فوهات براكين ما تفتأ تثور ، لتجبرك أنت الهارب من قلق الكلام إلى سكينة 
الصمت أن تقول كلمة ، أكتب ... فهل حقاً تستطيع ان تصور ضجيج روحك
ودوائر فكرك ونبض ضميرك على الورق ؟!

أجول بأعماقى التى تضج وتحترق بفوهات براكين ، من إحداها 
تطل فتاة قتلت غدراً لمجرد الاشتباه ، أسمع صراخ دمها صاخباً ، ولون 
الظلم الأسود الجبان يظلل قبرها المهجور ، أسمع مطالبتها بالتخلى عن 
التغنى والتفاخر بإرهاب الفكرة على التفكير والاحتكام للضمير ... لكنى 
أنفض ضميرى وقلمى وأمضى ، فما لي والخوض فى مثل هذه القضايا ؟!
يباغت نظرى مشهد موجع فى دلالته لزوجين يتبضعان فى إحدى المؤسسات 
الاستهلاكية بحذر بالغ ، منبعه ضيق ذات اليد مع الارتفاع الجنونى غير المعقول 
للأسعار ، أرقب الزوج وهو يهتف بفرح يفوق قيمة المفاجأة : هذا زعتر ..!! فترد
الزوجة بحزن يقصر فى وصف الوضع ، لكنه كاف لكسر توثب الفرحة عنده
وتمزيق صورة صحني الزيت والزعتر الشهيين على مائدتهما المتواضعة وهى 
تقول : (( بس ما عنا زيت زيتون ))!!

ما لي والخوض فى تردى أوضاع المواطنين المعيشية وتفاقم الفقر والعوز 
لدى شريحة واسعة حتى من موظفى القطاع العام ممن لا يملكون وسيلة 
زرق أخرى غير الراتب الذى باتت المشتريات الأساسية تأتى عليه ، أو قد
أطرحه مبتعدة عن النقطة الإنسانية الجوهرية المضيئة والصرخة التى أسمعها
تتردد فى أعماقى لألون القضية بموضوع هامشى أتجنى فيه على الفقير
الذى يجب عليه أن يغير نمط استهلاكه - مع عدم اقتناعى بما أقول - لكن
كى يحظى الموضوع بالنشر ، وكى لا أجلب لراسى الوجع الذى لا ينقصه !!
يقتحم بصرى مشهد لنابشى حاويات القمامة ، وللطفولة الناصعة الملوثة
بالفاقة ، لكنى أسارع لترديد اللعنات واللوم على قلة (( المروة )) عندهم وعدم
اتجاههم لوسيلة كسب أخرى ، ولا أخوض فى قضية البطالة وفرص العمل 
وتردى الأوضاع الاقتصادية وضرورة تفعيل دور مؤسسات الدولة اتجاه أبنائها ،
فلا أدين المسببات والمعطيات بل أدين الضحايا ، وأعيد ذبحهم على الورق ، كما
ذبحتهم من قبلى الحياة !

ثمة عقبات تغتال فيك حتى الرغبة فى الكتابة ، وتدفن عندك براكين البوح
الحقيقية المتفجرة فى أعماقك ، وتضمد جراحك ببلسم السكوت المراوغ ، وتحاول 
إخراسك بالحسنى إن لم (( تسكت )) هل صوت سياة الإسعاف قادر وحده على أن
يضمد جرح الجريح أو يوقف نزيفه ؟! وهل يعبر الكاتب عما فى داخله بصف كلمات
لا تشكل رؤياه ورؤيته الشخصية للأمور ، ولا تسجل موقفاً أو تطرح اقتراحات أو
تعلن رأياً صريحا صادقا حتى وإن كان جارحا وصادما فى العديد من القضايا ؟! ،
لكنك تتابع الكتابة وصف الكلمات لتردم فوهات براكين فى أعماقك ، وأنت أول 
من يدرى تماماً بأنها ستعاود الثوران وإطلاق الحمم التى تحرقك أولا ... تكتب 
أشبه بصوت سيارة إسعاف تنوح فى أعماقك ولا تصل !

حنان بيروتى    
     

هناك تعليق واحد: