الجمعة، 25 أبريل، 2014

رسالة الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى أهل القصيم عندما سألوه عن عقيدته


بسم الله الرحمن الرحيم
أشهد الله ومن حضرني من الملائكة وأشهدكم أني أعتقد ما اعتقدته الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت ، والإيمان بالقدر خيره وشره ، ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ، بل أعتقد أن الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، فلا أنفي عنه ما وصف به نفسه ولا أحرف الكلم عن مواضعه ، ولا ألحد في أسمائه وآياته ، ولا أكيف ، ولا أمثل صفاته تعالى بصفات خلقه لأنه تعالى لا سميَّ له ولا كفؤ ، ولا ند له ، ولا يقاس بخلقه فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره وأصدق قيلاً وأحسن حديثاً فنزه نفسه عما وصفه به المخالفون من أهل التكييف والتمثيل : وعما نفاه عنه النافون من أهل التحريف والتعطيل فقال : { سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ . وَسَلامٌ عَلى المُرْسلين والحمْدُ لله رَبّ العالمين } والفرقة الناجية وسط في باب أفعاله تعالى بين القدرية والجبرية ، وهم في باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية ؛ وهم وسط في باب الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة ، وبين المرجئة والجهمية ، وهم وسط في باب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الروافض والخوارج .
وأعتقد أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود ؛ وأنه تكلم به حقيقة وأنزله على عبده ورسوله وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ؛ وأومن بأن الله فعال لما يريد ، ولا يكون شيء إلا بإرادته ، ولا يخرج شيء عن مشيئته ، وليس شيء في العالم يخرج عن تقديره ولا يصدر إلا عن تدبيره ولا محيد لأحد عن القدر المحدود ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور .
وأعتقد الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت ، فأومن بفتنة القبر ونعيمه ، وبإعادة الأرواح إلى الأجساد ، فيقوم الناس لرب العالمين حفاة عراة غرلا تدنو منهم الشمس ، وتنصب الموازين وتوزن بها أعمال العباد فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون وتنشر الدواوين فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله .
وأومن بحوض نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بعرصة القيامة ، ماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل آنيته عدد نجوم السماء من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً ، وأومن بأن الصراط منصوب على شفير جهنم يمر به الناس على قدر أعمالهم .
وأومن بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم وأنه أول شافع وأول مشفع ، ولا ينكر شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم إلا أهل البدع والضلال ، ولكنها لا تكون إلا من بعد الإذن والرضى كما قال تعالى : { وَلا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنْ ارْتَضى } ، وقال تعالى : { مَنْ ذا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بإذنه } ، وقال تعالى : { وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ في السّمَوَاتِ لا تُغْني شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إلا مِنْ بَعْدِ أنْ يَأذَنَ اللهُ لمن يشاءُ ويَرْضى } وهو لا يرضى إلا التوحيد ؛ ولا يأذن إلا لأهله ، وأما المشركون فليس لهم من الشفاعة نصيب ؛ كما قال تعالى : { فَمَا تَنْفَعُهُمُ شَفَاعَةُ الشّافِعِين } .
وأومن بأن الجنة والنار مخلوقتان ، وأنهما اليوم موجودتان ، وأنهما لا يفنيان ؛ وأن المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم يوم القيامة كما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته .
وأومن بأن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين والمرسلين ، ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته ؛ وأن أفضل أمته أبو بكر الصديق ؛ ثم عمر الفاروق ، ثم عثمان ذو النورين ، ثم علي المرتضي ، ثم بقية العشرة ، ثم أهل بدر ، ثم أهل الشجرة أهل بيعة الرضوان ، ثم سائر الصحابة رضي الله عنهم . وأتولى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأذكر محاسنهم وأترضى عنهم وأستغفر لهم وأكف عن مساويهم وأسكت عما شجر بينهم ، وأعتقد فضلهم عملا بقوله تعالى : { والّذينَ جَاؤُا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولونَ رَبّنَا اغْفِرْ لَنا ولإخْوَانِنا الّذين سَبَقُونا بالإيمان وَلا تَجْعَلْ في قُلوبِنا غِلاًّ للّذينَ آمَنُوا رَبّنا إنّكَ رَؤفٌ رَحيمٌ } وأترضى عن أمهات المؤمنين المطهرات من كل سوء
وأقرّ بكرامات الأولياء ومالهم من المكاشفات إلا أنهم لا يستحقون من حق الله تعالى شيئاً ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله ، ولا أشهد لأحد من المسلمين بجنة ولا نار إلا من شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكني أرجو للمحسن وأخاف على المسيء ، ولا أكفر أحداً من المسلمين بذنب ، ولا أخرجه من دائرة الإسلام ، وأرى الجهاد ماضيا مع كل إمام براً كان أو فاجراً وصلاة الجماعة خلفهم جائزة ، والجهاد ماض منذ بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل ، وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله ، ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعته ؛ وحرم الخروج عليه ، وأرى هجر أهل البدع ومباينتهم حتى يتوبوا ، وأحكم عليهم بالظاهر وأكل سرائرهم إلى الله ، وأعتقد أن كل محدثة في الدين بدعة .
وأعتقد أن الإيمان قول باللسان وعمل بالأركان واعتقاد بالجنان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وهو بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، وأرى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما توجبه الشريعة المحمدية الطاهرة .
فهذه عقيدة وجيزة حررتها وأنا مشتغل البال لتطلعوا على ما عندي والله على ما نقول وكيل . 

الأربعاء، 2 أبريل، 2014

الأشعرى والأشاعرة


ولد الإمام أبو الحسن الأشعرى سنة ستين ومائتين من الهجرة النبوية ، وأخذ الحديث عن زكريا بن يحيى الساجى أحد أئمة الحديث والفقه ، وأخذ علم الكلام عن شيخه زوج أمه أبى على الجبائى شيخ المعتزلة .
ولما تبحر فى كلام الإعتزال وبلغ فيه الغاية ، كان يورد الأسئلة على أستاذه فى درس المعتزلة ، ولا يجد فيها جواباً شافياً فتحير فى ذلك ، فحكى عنه أنه قال : وقع فى صدرى فى بعض الليالى شئٌ مما كنت فيه من العقائد ، فقمت وصليت ركعتين وسألت الله تعالى أن يهدينى الطريق المستقيم ونمت ، فرأيت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فى المنام فشكوت إليه بعض ما بى من الأمر ، فقال لى رسول الله : عليك بسنتى ، فانتبهت وعارضت مسائل الكلام بما وجدت فى القرآن والأخبار فأثبته ، ونبذت ما سواه ورائى ظهريًا .
وكانت المعتزلة قد رفعوا رؤوسهم حتى أظهر الله تعالى الأشعرى فقمعهم وحجزهم ، ولذلك فهو أعدى الخلق إلى المعتزلة فهم يشنعون عليه وينسبون إليه الأباطيل . 
قال الإمام ابن كثير عنه : " إن الأشعرى كان معتزلياً فتاب منه بالبصرة فوق المنبر ، ثم أظهر فضائح المعتزلة وقبائحهم " .
وأجمع أهل العلم أن الإمام الأشعرى عقيدته وعقيدة الإمام أحمد بن حنبل – إمام أهل السنة – واحدة لا شك فى ذلك ولا ارتياب .

وبعد وفاة أبو الحسن الأشعرى عام 324 هــ ، ظهرت فرقة كلامية إسلامية تدعى الأشعرية ، وقد إتخذت الأشاعرة البراهين والدلائل العقلية والكلامية وسيلة فى محاججة خصومها من المعتزلة والفلاسفة وغيرهم ، لإثبات حقائق الدين والعقيدة الإسلامية . 
وقد خالف الأشعرية أهل السنة فى كثير من الأبواب فهم لا يثبتون صفةً لله إلا إذا وافقت عقولهم وإلا أولوها ، أما أهل السنة فيثبتون ما أثبته الله لنفسه وما أثبته رسوله – صلى الله عليه وسلم – من غير تأويل ولا تعطيل ولا تحريف ولا تشبيه .

قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى : " أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها فى القرآن والسنة والإيمان بها ، إلا أنهم لا يكيفون شيئاً من ذلك ، ولا يحدون فيه صفة محصورة ، وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة والخوارج فكلهم ينكرها ، ولا يحمل شئ منها على الحقيقة " .
والأشاعرة يثبتون لله سبع صفات فقط هى ( الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام ) ، ويأولون باقى الصفات ، بل هم مضطربون فى كيفية إثبات تلك السبع !!!
فيفسرون كلام الله على غير ما يعتقده أهل السنة من أن الله تكلم بالقرآن حقيقةً ، بل عندهم بأنه حديث نفسى ، ويفسرون يد الله تعالى بقدرته ونعمته ، واستواءه على عرشه بالاستيلاء عليه ونحو ذلك .
قال ابن باز رحمه الله : " لا يجوز تأويل الصفات ، ولا صرفها عن ظاهرها اللائق بالله ، ولا تفويضها ، بل هذا كله من إعتقاد أهل البدع ، أما أهل السنة والجماعة فلا يؤلون أيات صفات الله وأحاديثها ولا يصرفونها عن ظاهرها ولا يفوضونها ، بل يعتقدون أن جميع ما دلت عليه من المعنى كله حق ثابت لله لائق به سبحانه لا يشابه فيه خلقه " .
وللأشاعرة عقائد تخالف أهل السنة والجماعة فى القضاء والقدر ، وفى حكم صاحب الكبيرة ، وفى رؤية الله تعالى ، وهم فى الإيمان بين المرجئة التى تقول يكفى النطق بالشهادتين دون العمل لصحة الإيمان ، وبين الجهمية التى تقول يكفى التصديق القلبى ، مخالفين بذلك جمهور أهل السنة بأن الإيمان يصدقه العمل ويزيد وينقص بالطاعة والمعصية .
أما أن يخرج أحد فيدعى أن الأشاعرة هم أهل السنة وحدهم  وأن غيرهم هم الوهابيون المتشددون ، فهذا كلام إن دل فإنما يدل عل جهل قائله ، مستغلاً مكانته فى تأصيل مذهبه وتنفير الناس فى دعوة الحق .

ومع ذلك كله ، إلا أن أهل السنة أهل إنصاف لا أهل إجحاف ، فهم لا يحكمون بكفر الأشاعرة ، بل هم أقرب الناس إلى أهل السنة ، وقد نصر كثير منهم السنة وردوا على أهل البدع من المعتزلة وغيرهم ، ولا يعنى ذلك تصحيح ما هم عليه ، بل هم من جملة أهل البدع ، إلا أن البدع ليست فى درجة واحدة .
ولذا يقرر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن الأشاعرة إذا كانوا فى بلد ولا يوجد غيرهم فهم أهل السنة فى ذلك البلد .
ولا عدمت بلاد الأسلام من أهل السنة .