السبت، 31 يناير، 2015

حديث القمر



مصطفى صادق الرافعى أديب بليغ قل أن يجود الزمان بمثله ، كان مدافعاً شديداً عن اللغة العربية والسمو الأدبى ، وكان يرى أن الدفاع عن العربية دفاع عن الإسلام ، ولذلك خاض معارك أدبية كبيرة مع العديد من مشاهير الأدب مثل طه حسين والعقاد ، ومن أمتع كتبه " حديث القمر " ؛ تحدث فيه عن الحب والجمال ، وكيف للملحدين أن ينكروا وجود خالق هذا الجمال ، ولم يفته أن يذكر بعض هموم الفقراء فى صورة جمالية منقطعة النظير ، وقد نقلت القليل من هذا الكتاب لعلكم تجدون متعته.

 * إن هموم العيش لا تميت من عواطف القلوب ِإلا تلك التى لا تعرف كيف تستمد الحياة من روح الطبيعة

* البلاغة التى حار العلماء فى تعريفها على كثرة ما خلطوا لا تعدو كلمتين : قوة التصور ، والقوة على ضبط النسبة بين الخيال والحقيقة .

* إذا شهد عصر من العصور أمة ليس فيها بليغ فذلك هو العصر الذى يكون تاريخاً صحيحاً لأضعف طبائع الأمم .

* إن الأرض لا تقدس البكاء، وكل دموع الناس لا تبل ظمأ النسيان ولو انحدرت كالسيل يدفع بعضها بعضاً .

* ليس كل من عصر عينيه فقد بكى ، إن البكاء لأشرف من ذلك ، وكما يكون الضحك أحياناً حركة فى الأفواه تبعثها العادة كحركة الحواس الغليظة فيضحك المرء وقلبه صامت ، كذلك يكون من البكاء ما هو حلم الأسى ، لأن فى العين حاسة لابد من تمرينها أحياناً تسمى حاسة الدموع .

* ما لقيت باكياً إلا رأيت وجهه مقبلاً علي كأنه يسألنى : ترى من أين يذبح الإنسان إذا كانت دموعه هى دماء روحه ؟ .

* إن الباكى لا يجد من قوة الجراءة ما يرفع صوته من حفرة الحلق التى لا تمتلئ ، فيرفع صوت روحه وهى تتكلم من العين بهذه المعانى السائلة النى نسميها الدموع .

* إن الناس قد مضوا على أن لا يعرفوا الحقيقة إلا بأوصافها ولا يعرفوا من أوصافها إلا ما يتعرف إليهم من ظاهرها الجميل ، أما باطن الحقيقة الذى يحتوى السر المخزن فهذا يعرفه من يفهم لغة الطبيعة ، وما لغتها إلا أفعالها .

* أنت إذا أردت أن تدرس علم البلاغة من هذه اللغة الطبيعية فادرس المصائب والآلام والأحزان ، إنها هى أقانيم البلاغة الثلاثة : المعانى والبيان والبديع .

* إن الشاعر ليكتب عمن يحبها فيرى كأنه ينفخ فى كل كلمة معنى من الحياة ، لأنه لا يكتب كلاماً بل يخط صورة قلبه ، والعواطف الحية تبقى حية ولو كانت مرسومة لأنها لا تجتمع فى شكلها الذى تنتهى إليه إلا بعد أن تمر فى أدوار الحياة فتألفها الأرواح وتصير كاللفظ المأنوس : ما هو إلا أن يذكر حتى ترى معناه للذهن ماثلاً.  

  • ليس كل ما يعجبك يرضيك ، ولكن كل ما يرضيك يعجبك .
  • سرى هذا الحفيف قليلاً قليلاً ، فلا والله ما منه نشوة خمر ولا نفثة سحر ولا رجفة الطرب ن ثم سرى قليلاً قليلاً فما هو إلا أن أصاب قلبى حتى انتفضت كأن قبلة حارة انطبعت عليه ومسته بشفتيها الرقيقتين ، فكانت هذه الطرفة هدية الروح إلى القلب .
  • فرب دقيقة واحدة من حياة رجل تبذل فى ثمنها حياة بتمامها من رجل أو رجال .
  • ومن نكد الدنيا أنك لا تزال ترى المصلحين حيث ترى نفسك لا تفقدهم فى مكان ، ثم لا يزيد الأمر معهم إلا فساداً ؛ لأنهم مصلحون بالتشبه والتقليد أو بقوة الإرادة أو بإرادة القوة .
  • ولشد ما اجتهد العلماء والفلاسفة فى تعريف السعادة ، ولكنهم عرفوها بتنكيرها ، إذ ألبسوها ألفاظاً من لغة البؤس كانت لها كثياب الحداد التى هى أكفان الحى المتصل بالموت ، أو الميت الذى لم يمت ؛ فإذا أردت السعادة من تعريفاتهم وابتغيتها من أوصافهم فإنك تكون سعيداً جداً بل أسعد الناس كافة ؛ لأن كل واحد منهم يتوهمك سعيداً متى لبست تعريفه ، فتسعد بعشرين أو ثلاثين سعادة متباينة ، ولا ضير أن تبقى بإزاء كل هذا النعيم بائساً فى يقينك الذى لا دليل عليه إلا ما تحس به أنت ، وما يقينك هذا أيها الأحمق بجانب ثلاثين ظناً من ظنون الفلاسفة!
  • إنهم لا يعتدونك شقياً البتة حتى تشقى بثلاثين نوعاً من البؤس كما سعدت بثلاثين نوعاً من السعادة .... !
  • كلمتان هما تعريف السعادة التى ضل فيها ضلال الفلاسفة والعلماء ، وهما من لغة السعادة نفسها ، لأن لغتها سلسة قليلة المقاطع كلغة الأطفال التى ينطوى الحرف الواحد منها على شعور النفس كلها . أتدرى ما هما ؟ أفتدرى ما السعادة طفولة القلب !
  • المال الكثير حاجات كثيرة ، وحاجات هذا الإنسان الضعيف معدودة محدودة ، ومهما حاول وزاول فإنه لن يعدو حده الطبيعى إذ قد عرفت الطبيعة غروره وطماحه فجعلت له المعدة قيداً فى باطنه ووضعت عليه من القلب قفلاً صغيراً ، بيد أنه متين لا يقتحمه إلا الموت ، فليفعل الأغنياء ما شاءوا فإنهم لا يزالون من الطبيعة حيث هم بجانب الفقراء والمساكين ههنا و ههنا .
  • إن الفقير ينظر إلى الغنى بإرادته لا بعينه ، فإذا كانت إرادته فى الغنى لا حد لها فهو لا يرى حداً للغنى بل قد يراه من الارتفاع والسمو فى مكان لو قذفه منه بكلمة سخط لقتله ..!
  • لو كنت من السعداء لسخر لى القدر من يحمل عنى ، بل لكان ظلى نفسه حمالاً .. وإذا أردت أن ترى قوماً يرثون من لم يلدهم ولم يكن من ذوى قرباهم ولم يمت إليهم بسبب واصل فانظر إلى البائسين فإن كل منهم يحمل أثقاله وأثقالاً مع أثقاله . وليس أخف من أحمال البؤس وحده ؛ إذ هى لا تعدو الجوع الذى تكسر شرته بكسرة من الخبز ، والتعب الذى يذوب فى غمضة العين ساعة النوم ، وما عدا ذلك ؛ مما يحمله البائسون فإنما هو من أثقال السعداء ، لأنه لابد من ظهور للحمل .
  • لا تحسبن الأغنياء المجرمين على غنى ؛ فإن كل شئ يسرق حتى الغنى ، وحتى اللص يسرق نفسه من يد الشرطى بعد أن يكون قد جمعها عليه ، والفقير الذى يطمح إلى الغنى كالغنى الذى يطمح إلى ما هو أغنى : كلاهما فقر وكلاهما طريق إلى الجريمة !
  • أفتحزن أيها الفقير على أنك تشترى بعمرك هناء القلب وعافية الجسم ومحبة الناس وثواب الله وابتسامة الموت ؟
  • إنى لأرى قوماً يعفون لحاهم ليجعلوا سبالها الطويلة حبالاً تتعلق بها النفوس الساقطة إلى السماء ، وآخرين يقيسون ما بين حيطان المساجد بجباههم فلا تجد موضع شبر إلا وقد سجدوا عليه لتصير هذه الجبهة الضيقة " ذراعاً معمارياً " .. فى قسمة الجنة التى عرضها السماوات والأرض .. اجترءوا على الله ليراهم الناس أقوياء فلا يجترئ عليهم أحد ، ولا يبالوا بأن الله " سيأخذهم " بذنوبهم ما دام ذلك لا يكون إلا بعد أن يأخذوا من الناس وهذه السين – سين التسويف – طويلة العمر جداً عند هذه الفئة وأمثالهم من الغافلين ؛ فإن عمرها يبلغ ما بين الواهم والحقيقة ؛ وما بين نعيم الدنيا وعقاب الآخرة .
  • الشاعر الصحيح رجل الكمال السماوى ؛ لأن الشعر إذا لم يكن مع الشرائع كان عليها ، وفى ذلك فساد كبير .
  • الشاعر الزائف كالدينار الزائف : كلاهما لا يجوز على أحد إلا مع الغفلة ؛ وكلاهما رذيلة فى نفسه بالغش ومصيبة على غيره بالخسارة . وإن الذباب ليقع على الزهر كما يقع النحل ليجنى العسل ، وإنه ليطن فى الروض كما تغرد الطيور لترقيص قلوبها الصغيرة ؛ ثم يطير عن الزهرة ذباباً كما وقع ويسكت ذباباً كما طن ، وكيفما نظرت إليه لا تراه إلا ذباباً ؛ ولكنه من الطير ، ولكنهم من الشعراء !

  • السلطان الحقيقى على الطبيعة سلطان الروح ، لأنها من الله وهذه الطبيعة أداة فى يد الله .
  • من لم يدرس طبائع القلوب المتوجهة فى أنفاس أهلها لا يعلم قلبه شيئاً وإن كان رأسه مكتبة من العلوم .
  • إن الله لا يعامل إلا بالنية ولا يثبت فى سجل الحسنات إلا الرقام القلبية .
  • لست أصدق أن ملحداً يعمل لخير الناس ابتغاء الخير نفسه ، فإن حدثوك بخبر من ذلك فاعلم أنما يريد به الرجل برهاناً على صحة إلحاده الإنسانى ... يخدع به من يقدم له الخير أو من يراه وهو يقدمه ؛ فإنه لسخافته يكفر بالله ويريد أن يعمل بعض عمل الله !
  • أحمق ما يكون المجنون إذا رأيته يتعاقل!
  • اليوم الذى يكون فيه كل الناس عقلاء فى الرأى يكون كل الناس مجانين فى الحقيقة .
  • ليس الفرق النظرى بين المؤمن والملحد إلا فى تسمية جهل العقل بما وراء الطبيعة ، وكل ما تشعب من ذلك فإنما هو براهين علمية على صحة تسمية هذا الجهل .
  • لله منك أيتها الفئة الباغية ! العلم الذى لا يخلق ذبابة ولا أحقر من ذبابة ولكنه يجدها فيتفلسف ويقول لنا : كيف خلقت ؟ هو الذى يريدكم على أن تكذبوا بالخالق .
  • أنا لا أستطيع أن أصدق أن حياتى كلها بما فيها من خير وشر لى وعلى تكون فى مرد الأمر كالذى يرسل فى الهواء صرخة مزعجة ليعرف بعدها أنه سكت وكان ساكتاً قبل ذلك !
  • اذهبوا أيها الملحدون إلى أجهل الناس من العامة وأشباه العامة واقرءوا الإيمان فى كتاب قلبه بعد أن تجردوه من لغة اللسان التى شأنها المبالغة والتمثيل لما لا يتصور بما يتصور!
  • إذا مس أحدكم الضر لم ير بأساً أن يفكر فى الله وأن يرفع إلى السماء عيناً ، فلا يعود إلى إلحاده إلا وهو مؤمن بأنه ملحد وشاك فى أنه مؤمن بذلك ؛ ولولا هذا الشك ، بل ولولا صناعة العقل لكان فى كل شر يصيب أحد الملحدين خير للإيمان كثير .      
  • قد قيل لفيلسوف أملق حتى ساء عليه أثر الفقر : من يدفنك إذا مت ؟ فقال : من يؤذيه نتن جيفتى ؟!
  • إن الأطفال يحبون فطرةً أن يعبثوا بالماء ويتغامسوا فيه ؛ فلا أنكر على الرجال محبتهم أن يعبثوا بالدموع .
  • لو كان المقامر يحزن على مقدار ما أضاعه دون المقادير الوافرة التى قامر عليها وكان يرجو أن يفوز بها ، لما عاد امرؤ قط إلى المقامرة بعد الخسارة الأولى ، وكذلك لو كان الإنسان يهتم للمصيبة على قدرها فى نفسها لا بمقدارها فى نفسه ، لذهب بها فى وقتها ، لأن الوقت يسير بكل شئ تدفعه فيه ، ولكانت هذه المصائب فى تاريخ الإنسان كأنها عطاس يزعج قليلاً ثم يعقب انتهاضاً من عثرة الرأس وراحة .
  • إن المصائب لا تكون على أشدها فجيعة وألماً إلا فى أقوى الناس عقلاً وأضعفهم إيماناً .
  • الحقيقة الخالصة كالصديق الخالص المخلص ؛ يجد الإنسان من المال والمتاع ما يبذله ثمناً للدنيا فيحوزها ولا يجد ثمن الصديق إلا أن يبذل له ذات نفسه!
  • إن ثلاثة تأتى إلى الإنسان من تلقاء نفسها وهو ينتفى منها جهده : هذه المصادفة ، والعداوة ، والنحس ؛ وقلما أحس إنسان بإحداهما إلا فوجئ بثلاثتها جميعاً ، وكذلك أشأم ما يعد فى الشر تعدد شؤمه!
  • إن الحب لا يخلق إلا الحب ولكن جمالها الرائع يصور لى مقابح الناس ومعايبهم .
  • إن أشقى الناس من لا يستطيع أن يجد إلى جنبه فى سورة الجزع نفساً أخرى تجزع له باطمئنان ليطمئن فى جزعه ، وهى الصداقة بعينها ، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم .
  • هكذا كتب على الحب أنه من تولاه فإنه يدعه على حال كأنه فيها روح لا جسم له .
  • الحب جنوناً ، ولكن النبوغ جنون كذلك .
  • ماذا تبلغ العبارة من حب تخرج كل أنة فيه وكأنها صوت انقطاع خيط من خيوط الحياة فى القلب ؟ وماذا تبلغ العبارة من حب يتألم صاحبه وهو يجهل سبب ألمه ، فيحسبه بعض الحمقى يتألم بلا سبب وهو فى رأى نفسه كأنه يتألم بكل أسباب الآلام .
  • ضع اللغات كلها فى فم المحب ، فإن خفقة واحدة من قلبه ستجعلها كلها بلا تأثير كأنها صمت ناطق ، لأن القلب هو الساحل الذى تقف عنده أمواج الألفاظ .
  • لا أرى غير شيئين لا يتخطى إليهما عقل الإنسان ولا تنالهما لغته ، ما وراء القلب ، وما وراء الطبيعة .
  • ليس شئ أقوى من الحق ، ولكن الشريعة فى يد الظالم تجعل الباطل أقوى منه ، وليس شئ أعنف من البغض .

الاثنين، 26 يناير، 2015

أرَاكَ عَصِيَّ الدّمعِ شِيمَتُكَ الصّبرُ لأبي فراس



أرَاكَ عَصِيَّ الدّمعِ شِيمَتُكَ الصّبرُ،أما للهوى نهيٌّ عليكَ ولا أمرُ ؟
بلى أنا مشتاقٌ وعنديَ لوعة ٌ ،ولكنَّ مثلي لا يذاعُ لهُ سرُّ !
إذا الليلُ أضواني بسطتُ يدَ الهوىوأذللتُ دمعاً منْ خلائقهُ الكبرُ
تَكادُ تُضِيءُ النّارُ بينَ جَوَانِحِيإذا هيَ أذْكَتْهَا الصّبَابَة ُ والفِكْرُ
معللتي بالوصلِ ، والموتُ دونهُ ،إذا مِتّ ظَمْآناً فَلا نَزَل القَطْرُ!
حفظتُ وضيعتِ المودة َ بينناو أحسنَ ، منْ بعضِ الوفاءِ لكِ ، العذرُ
و ما هذهِ الأيامُ إلا صحائفٌلأحرفها ، من كفِّ كاتبها بشرُ
بنَفسي مِنَ الغَادِينَ في الحَيّ غَادَة ًهوايَ لها ذنبٌ ، وبهجتها عذرُ
تَرُوغُ إلى الوَاشِينَ فيّ، وإنّ ليلأذْناً بهَا، عَنْ كُلّ وَاشِيَة ٍ، وَقرُ
بدوتُ ، وأهلي حاضرونَ ، لأننيأرى أنَّ داراً ، لستِ من أهلها ، قفرُ
وَحَارَبْتُ قَوْمي في هَوَاكِ، وإنّهُمْوإيايَ ، لولا حبكِ ، الماءُ والخمرُ
فإنْ كانَ ما قالَ الوشاة ُ ولمْ يكنْفَقَد يَهدِمُ الإيمانُ مَا شَيّدَ الكُفرُ
وفيتُ ، وفي بعضِ الوفاءِ مذلة ٌلآنسة ٍ في الحي شيمتها الغدرُ
وَقُورٌ، وَرَيْعَانُ الصِّبَا يَسْتَفِزّها،فتأرنُ ، أحياناً ، كما يأرنُ المهرُ
تسائلني: " منْ أنتَ ؟ " ، وهي عليمة ٌ ،وَهَلْ بِفَتى ً مِثْلي عَلى حَالِهِ نُكرُ؟
فقلتُ ، كما شاءتْ ، وشاءَ لها الهوى :قَتِيلُكِ! قالَتْ: أيّهُمْ؟ فهُمُ كُثرُ
فقلتُ لها: " لو شئتِ لمْ تتعنتي ،وَلمْ تَسألي عَني وَعِنْدَكِ بي خُبرُ!
فقالتْ: " لقد أزرى بكَ الدهرُ بعدنا!فقلتُ: "معاذَ اللهِ! بلْ أنت لاِ الدهرُ،
وَما كانَ للأحزَانِ، لَوْلاكِ، مَسلَكٌإلى القلبِ؛ لكنَّ الهوى للبلى جسرُ
وَتَهْلِكُ بَينَ الهَزْلِ والجِدّ مُهجَة ٌإذا مَا عَداها البَينُ عَذّبَها الهَجْرُ
فأيقنتُ أنْ لا عزَّ ، بعدي ، لعاشقٍ ؛وَأنُّ يَدِي مِمّا عَلِقْتُ بِهِ صِفْرُ
وقلبتُ أمري لا أرى لي راحة ً ،إذا البَينُ أنْسَاني ألَحّ بيَ الهَجْرُ
فَعُدْتُ إلى حكمِ الزّمانِ وَحكمِها،لَهَا الذّنْبُ لا تُجْزَى به وَليَ العُذْرُ
كَأني أُنَادي دُونَ مَيْثَاءَ ظَبْيَة ًعلى شرفٍ ظمياءَ جللها الذعرُ
تجفَّلُ حيناً ، ثم تدنو كأنماتنادي طلا ـ، بالوادِ ، أعجزهُ الحضرُ
فلا تنكريني ، يابنة َ العمِّ ، إنهُليَعرِفُ مَن أنكَرْتِهِ البَدْوُ وَالحَضْرُ
ولا تنكريني ، إنني غيرُ منكرٍإذا زلتِ الأقدامِ ؛ واستنزلَ النضرُ
وإني لجرارٌ لكلِّ كتيبة ٍمعودة ٍ أنْ لا يخلَّ بها النصرُ
و إني لنزالٌ بكلِّ مخوفة ٍكثيرٌ إلى نزالها النظرُ الشزرُ
فَأَظمأُ حتى تَرْتَوي البِيضُ وَالقَنَاوَأسْغَبُ حتى يَشبَعَ الذّئبُ وَالنّسرُ
وَلا أُصْبِحُ الحَيَّ الخَلُوفَ بِغَارَة ٍ،وَلا الجَيشَ مَا لمْ تأتِه قَبليَ النُّذْرُ
وَيا رُبّ دَارٍ، لمْ تَخَفْني، مَنِيعَة ٍطلعتُ عليها بالردى ، أنا والفجرُ
و حيّ ٍرددتُ الخيلَ حتى ملكتهُهزيماً وردتني البراقعُ والخمرُ
وَسَاحِبَة ِ الأذْيالِ نَحوي، لَقِيتُهَافلمْ يلقها جهمُ اللقاءِ ، ولا وعرُ
وَهَبْتُ لهَا مَا حَازَهُ الجَيشُ كُلَّهُو رحتُ ، ولمْ يكشفْ لأثوابها سترُ
و لا راحَ يطغيني بأثوابهِ الغنىو لا باتَ يثنيني عن الكرمِ الفقر
و ما حاجتي بالمالِ أبغي وفورهُ ؟إذا لم أفِرْ عِرْضِي فَلا وَفَرَ الوَفْرُ
أسرتُ وما صحبي بعزلٍ، لدى الوغى ،ولا فرسي مهرٌ ، ولا ربهُ غمرُ !
و لكنْ إذا حمَّ القضاءُ على أمرىء ٍفليسَ لهُ برٌّ يقيهِ، ولا بحرُ !
وقالَ أصيحابي: " الفرارُ أوالردى ؟ "فقُلتُ: هُمَا أمرَانِ، أحلاهُما مُرّ
وَلَكِنّني أمْضِي لِمَا لا يَعِيبُني،وَحَسبُكَ من أمرَينِ خَيرُهما الأسْرُ
يقولونَ لي: " بعتَ السلامة َ بالردى "فَقُلْتُ: أمَا وَالله، مَا نَالَني خُسْرُ
و هلْ يتجافى عني الموتُ ساعة ً ،إذَا مَا تَجَافَى عَنيَ الأسْرُ وَالضّرّ؟
هُوَ المَوْتُ، فاختَرْ ما عَلا لك ذِكْرُه،فلمْ يمتِ الإنسانُ ما حييَ الذكرُ
و لا خيرَ في دفعِ الردى بمذلة ٍكما ردها ، يوماً بسوءتهِ " عمرو"
يمنونَ أنْ خلوا ثيابي ، وإنماعليَّ ثيابٌ ، من دمائهمُ حمرُ
و قائم سيفي ، فيهمُ ، اندقَّ نصلهُوَأعقابُ رُمحٍ فيهِمُ حُطّمَ الصّدرُ
سَيَذْكُرُني قَوْمي إذا جَدّ جدّهُمْ،" وفي الليلة ِ الظلماءِ ، يفتقدُ البدرُ "
فإنْ عِشْتُ فَالطّعْنُ الذي يَعْرِفُونَهو تلكَ القنا ، والبيضُ والضمرُ الشقرُ
وَإنْ مُتّ فالإنْسَانُ لا بُدّ مَيّتٌوَإنْ طَالَتِ الأيّامُ، وَانْفَسَحَ العمرُ
ولوْ سدَّ غيري ، ما سددتُ ، اكتفوا بهِ؛وما كانَ يغلو التبرُ ، لو نفقَ الصفرُ
وَنَحْنُ أُنَاسٌ، لا تَوَسُّطَ عِنْدَنَا،لَنَا الصّدرُ، دُونَ العالَمينَ، أو القَبرُ
تَهُونُ عَلَيْنَا في المَعَالي نُفُوسُنَا،و منْ خطبَ الحسناءَ لمْ يغلها المهرُ
أعزُّ بني الدنيا ، وأعلى ذوي العلا ،وَأكرَمُ مَن فَوقَ الترَابِ وَلا فَخْرُ

السبت، 24 يناير، 2015

الحب فى زمن الكوليرا


منذ فترة قرأت الرواية الرائعة " الحب فى زمن الكوليرا "  للأديب العالمى ماركيز ، وأحببت أن أشارك الناس ببعض الكلمات الرائعة من الرواية ، لكنى لضيق الوقت لم أستطع أن أنقل إلا جزء يسير أتمنى أن تجدوه شيقاً كما وجدته .

** المبضع هو أكبر دليل على فشل الطب
** لقد احتفلا باليوبيل الذهبى لزواجهما منذ وقت قريب ، وقد أثرت هذه الحياة الطويلة معاً فأصبح واحدهما لا يستطيع العيش لحظة واحدة دون الأخر ، أو دون التفكير به ، وقد تناقصت هذه القدرة مع دنو الشيخوخة . لم يكن بمقدور أى منهما الإعتراف إن كانت تلك العبودية المتبادلة تعود للحب أم للراحة ، لكنهما فضلا عدم التساؤل عن ذلك أبداً ، وفضلا تجاهل الإجابة دائماً .
** كانت حياتهما ستختلف كثيراً لو أنهما تعلما فى الوقت المناسب أن حل نكبات الزواج الكبرى هو أسهل من تصريف الخلافات اليومية العادية ، وما تعلماه بعد هذه الخبرة هو أن الحكمة تأتى عندما لا تعود ذات جدوى .
** أكبر مصيبة فى هذا البيت هى أن المرء لا يجد فيه إلى النوم سبيلاً .
** فليذهب السيد الأسقف إلى الخراء !.
** هذا يثير قرف حظيرة أرانب .
** من المؤسف أننا ما زلنا نرى منتحرين بدوافع غير الحب .
** من لا ذاكرة له فليصنع ذاكرة من الورق .
** صلت لله أن يمنحه لحظة من الحياة على الأقل ، كى لا يمضى دون أن تعبر له عن حبها الذى فاق شكوكهما كلها ، وأحست بأهمية اللحظة وكان استعجالها لا يقاوم لاستعادة الحياة معه ثانية منذ اللحظة الأولى لتقول له كل ما لم تقله ، ولتقوم بإعادة عمل كل شئ كانت قد أساءت تأديته فى الماضى ، لكنها رضخت للاستسلام أمام عناد الموت .  
** أحست بالسعادة ، لأنها كانت قد محته من حياتها منذ سنوات طويلة ، وكانت هذه هى المرة الأولى التى تراه فيه بوضوح طهره النسيان . وقبل أن تتمكن من شكره على الزيارة ، وضع قبعته فوق قلبه ، مرتعشاً ووقوراً وأخيراً انبلج الخراج الذى تحمله طوال حياته منفجراً قائلاً : " فيرميننا ، لقد انتظرت أكثر من نصف قرن لأجدد لك العهد بالوفاء والحب الأزلى " .
كانت فيرمينا داثا تعتقد أنها تقف أمام معتوه . وكانت ردة فعلها الأولى ، لأنه انتهك حرمة بيتها فيما جثة زوجها ما زالت ساخنة فى القبر ، أن لعنته ، لكن الوقار منعها من الغضب ، فقالت له : " إذهب من هنا ، ولا تدعنى أرى وجهك ثانية فى كل السنوات المتبقية لك فى الحياة ، وأتمنى أن تكون سنواتك الباقية قليلة " .
** انفجرت بالبكاء على طريقتها ، للمرة الأولى منذ وقعت المصيبة ، وحيدة دون شهود . بكت لموت زوجها ، لوحدتها وغضبها ، وعندما دخلت غرفة النوم الخاوية بكت نفسها ، لأنها نادراً ما نامت فى هذا الفراش وحيدة منذ فقدت عذريتها . كل أشياء زوجها كانت تستثير بكاءها : الخف ذو الشرابة ، البيجاما تحت الوسادة ، مكانه الفارغ على طاولة الزينة ، رائحته على جسدها ، وارتعشت أمام فكرة مبهمة : " على الناس الذين يحبهم المرء أن يأخذوا كامل أشيائهم معهم عندما يموتون " .
** وفيما هى نائمة ومنتحبة فكرت بفلورنتينو أريثا أكثر من تفكيرها بزوجها الميت .
** لكن الصبية رفعت نظرها لترى من الذى يمر عبر النافذة ، وكانت هذه النظرة العابرة بداية كارثة حب لم تنته بعد مرور نصف قرن من الزمان .
** أما فيرمينا داثا فكانت بعيدة كثيراً عن مجرد الحس بالفضول عن الحب ، وكل ما أثاره فيها فلورينتينو أريثا هو قليل من الأسى ، إذ بدا لها عليلاً . لكن العمة قالت لها ستحتاجين عمراً طويلاً لمعرفة طبيعة الرجل الحقيقية ، وكانت مقتنعة أن ذاك الذى يتسمر فى الحديقة يومياً لمجرد رؤيتهما تمران ، لا يمكن إلا أن يكون مريضاً بداء الحب .
** انتهز فرصتك الأن وأنت شاب لتتألم بقدر استطاعتك لأن هذه الأمور لا تستمر طول العمر .
** انتهزت فترة النقاهة لتؤنبه على سلبيته خلال انتظاره الرد على الرسالة ، وذكرته أن مملكة الحب مقفلة بوجه الضعفاء ، لأنها مملكة قاسية وشحيحة ، وأن النساء لا يسمحن لغير الرجال ذوى الروح الحازمة بالولوج إليها ، لأنهم يبعثون فيهم الطمأنينة التى يتعطشن إليها لمواجهة الحياة .
** لم يكن نموذجاً للرجل الذى كانت ستختاره ، لكن نظارته وزيه الكهنوتى وأساليبه الغامضة أثارت فيها فضولاً من الصعب مقاومته ، كما أنها لم تتصور مطلقاً أن يكون الفضول هو أحد أقنعة الحب الكثيرة .
لم تستطع أن تفسر كيف قبلت الرسالة ، لم تؤنب نفسها على ذلك ، لكن الضغط الذى سببه لها الوعد الذى قطعته أن ترد على الرسالة عقد حياتها . باتت كل كلمة من أبيها ، وكل نظرة وأدنى حركة يقوم بها تبدو لها شركاً سيكشف سرها ، وأخذت تمتنع عن الحديث على المائدة خوفاً من زلة لسان تفضحها ، بسبب هذا الذعر الذى تعيشه .
وصارت تحبس نفسها فى الحمام فى أى وقت ، دونما حاجة ، وتعيد قراءة الرسالة فى محاولات لاكتشاف رموز سرية أو معادلة سحرية مخبأة فى واحد من الثلاثمائة والأربعة عشر حرفاً فى الثمانى والخمسين كلمة ، على أمل أن تجد فيها أكثر مما تقوله .
وازدادت وتيرة سيطرته على أفكارها ، فباتت تفكر فيه بطريقة لم تخطر لها على بال يوماً ، فهواجسها تجعلها تراه حيث لا يكون وتتمنى وجوده فى أماكن لا يمكن أن يكون فيها ، وتستيقظ فجأة بإحساس أنه حولها يتفرج عليها وهى نائم عند عقب سريرها .
** كانت تلك السنة التى وقعا فيها بالحب المدمر ، لم يشغلهما فى الحياة سوى الأحلام وتفكير الواحد بالأخر ، وانتظار الرسائل بشوق كشوق الرد عليها . ولم يتح لهما يوماً التحدث مع بعضهما فى ذلك الربيع الهاذى ولا فى السنة التى تلت ، بل أكثر من ذلك : فمنذ لقائهما الأول وخلال نصف قرن من الزمن وإلى أن كرر عليها قراره بالحب الأبدى ، لم يحصلا بتاتاً على فرصة اللقاء منفردين ولا الإمكانية لتبادل الحديث عن حبهما . ومع ذلك ، لم يمر يوم واحد خلال الأشهر الثلاثة الأولى دون أن يتبادلا الرسائل ، بل كانا يكتبان لبعضهما مرتين يومياً فى بعض الفترات .