السبت، 31 يناير، 2015

حديث القمر



مصطفى صادق الرافعى أديب بليغ قل أن يجود الزمان بمثله ، كان مدافعاً شديداً عن اللغة العربية والسمو الأدبى ، وكان يرى أن الدفاع عن العربية دفاع عن الإسلام ، ولذلك خاض معارك أدبية كبيرة مع العديد من مشاهير الأدب مثل طه حسين والعقاد ، ومن أمتع كتبه " حديث القمر " ؛ تحدث فيه عن الحب والجمال ، وكيف للملحدين أن ينكروا وجود خالق هذا الجمال ، ولم يفته أن يذكر بعض هموم الفقراء فى صورة جمالية منقطعة النظير ، وقد نقلت القليل من هذا الكتاب لعلكم تجدون متعته.

 * إن هموم العيش لا تميت من عواطف القلوب ِإلا تلك التى لا تعرف كيف تستمد الحياة من روح الطبيعة

* البلاغة التى حار العلماء فى تعريفها على كثرة ما خلطوا لا تعدو كلمتين : قوة التصور ، والقوة على ضبط النسبة بين الخيال والحقيقة .

* إذا شهد عصر من العصور أمة ليس فيها بليغ فذلك هو العصر الذى يكون تاريخاً صحيحاً لأضعف طبائع الأمم .

* إن الأرض لا تقدس البكاء، وكل دموع الناس لا تبل ظمأ النسيان ولو انحدرت كالسيل يدفع بعضها بعضاً .

* ليس كل من عصر عينيه فقد بكى ، إن البكاء لأشرف من ذلك ، وكما يكون الضحك أحياناً حركة فى الأفواه تبعثها العادة كحركة الحواس الغليظة فيضحك المرء وقلبه صامت ، كذلك يكون من البكاء ما هو حلم الأسى ، لأن فى العين حاسة لابد من تمرينها أحياناً تسمى حاسة الدموع .

* ما لقيت باكياً إلا رأيت وجهه مقبلاً علي كأنه يسألنى : ترى من أين يذبح الإنسان إذا كانت دموعه هى دماء روحه ؟ .

* إن الباكى لا يجد من قوة الجراءة ما يرفع صوته من حفرة الحلق التى لا تمتلئ ، فيرفع صوت روحه وهى تتكلم من العين بهذه المعانى السائلة النى نسميها الدموع .

* إن الناس قد مضوا على أن لا يعرفوا الحقيقة إلا بأوصافها ولا يعرفوا من أوصافها إلا ما يتعرف إليهم من ظاهرها الجميل ، أما باطن الحقيقة الذى يحتوى السر المخزن فهذا يعرفه من يفهم لغة الطبيعة ، وما لغتها إلا أفعالها .

* أنت إذا أردت أن تدرس علم البلاغة من هذه اللغة الطبيعية فادرس المصائب والآلام والأحزان ، إنها هى أقانيم البلاغة الثلاثة : المعانى والبيان والبديع .

* إن الشاعر ليكتب عمن يحبها فيرى كأنه ينفخ فى كل كلمة معنى من الحياة ، لأنه لا يكتب كلاماً بل يخط صورة قلبه ، والعواطف الحية تبقى حية ولو كانت مرسومة لأنها لا تجتمع فى شكلها الذى تنتهى إليه إلا بعد أن تمر فى أدوار الحياة فتألفها الأرواح وتصير كاللفظ المأنوس : ما هو إلا أن يذكر حتى ترى معناه للذهن ماثلاً.  

  • ليس كل ما يعجبك يرضيك ، ولكن كل ما يرضيك يعجبك .
  • سرى هذا الحفيف قليلاً قليلاً ، فلا والله ما منه نشوة خمر ولا نفثة سحر ولا رجفة الطرب ن ثم سرى قليلاً قليلاً فما هو إلا أن أصاب قلبى حتى انتفضت كأن قبلة حارة انطبعت عليه ومسته بشفتيها الرقيقتين ، فكانت هذه الطرفة هدية الروح إلى القلب .
  • فرب دقيقة واحدة من حياة رجل تبذل فى ثمنها حياة بتمامها من رجل أو رجال .
  • ومن نكد الدنيا أنك لا تزال ترى المصلحين حيث ترى نفسك لا تفقدهم فى مكان ، ثم لا يزيد الأمر معهم إلا فساداً ؛ لأنهم مصلحون بالتشبه والتقليد أو بقوة الإرادة أو بإرادة القوة .
  • ولشد ما اجتهد العلماء والفلاسفة فى تعريف السعادة ، ولكنهم عرفوها بتنكيرها ، إذ ألبسوها ألفاظاً من لغة البؤس كانت لها كثياب الحداد التى هى أكفان الحى المتصل بالموت ، أو الميت الذى لم يمت ؛ فإذا أردت السعادة من تعريفاتهم وابتغيتها من أوصافهم فإنك تكون سعيداً جداً بل أسعد الناس كافة ؛ لأن كل واحد منهم يتوهمك سعيداً متى لبست تعريفه ، فتسعد بعشرين أو ثلاثين سعادة متباينة ، ولا ضير أن تبقى بإزاء كل هذا النعيم بائساً فى يقينك الذى لا دليل عليه إلا ما تحس به أنت ، وما يقينك هذا أيها الأحمق بجانب ثلاثين ظناً من ظنون الفلاسفة!
  • إنهم لا يعتدونك شقياً البتة حتى تشقى بثلاثين نوعاً من البؤس كما سعدت بثلاثين نوعاً من السعادة .... !
  • كلمتان هما تعريف السعادة التى ضل فيها ضلال الفلاسفة والعلماء ، وهما من لغة السعادة نفسها ، لأن لغتها سلسة قليلة المقاطع كلغة الأطفال التى ينطوى الحرف الواحد منها على شعور النفس كلها . أتدرى ما هما ؟ أفتدرى ما السعادة طفولة القلب !
  • المال الكثير حاجات كثيرة ، وحاجات هذا الإنسان الضعيف معدودة محدودة ، ومهما حاول وزاول فإنه لن يعدو حده الطبيعى إذ قد عرفت الطبيعة غروره وطماحه فجعلت له المعدة قيداً فى باطنه ووضعت عليه من القلب قفلاً صغيراً ، بيد أنه متين لا يقتحمه إلا الموت ، فليفعل الأغنياء ما شاءوا فإنهم لا يزالون من الطبيعة حيث هم بجانب الفقراء والمساكين ههنا و ههنا .
  • إن الفقير ينظر إلى الغنى بإرادته لا بعينه ، فإذا كانت إرادته فى الغنى لا حد لها فهو لا يرى حداً للغنى بل قد يراه من الارتفاع والسمو فى مكان لو قذفه منه بكلمة سخط لقتله ..!
  • لو كنت من السعداء لسخر لى القدر من يحمل عنى ، بل لكان ظلى نفسه حمالاً .. وإذا أردت أن ترى قوماً يرثون من لم يلدهم ولم يكن من ذوى قرباهم ولم يمت إليهم بسبب واصل فانظر إلى البائسين فإن كل منهم يحمل أثقاله وأثقالاً مع أثقاله . وليس أخف من أحمال البؤس وحده ؛ إذ هى لا تعدو الجوع الذى تكسر شرته بكسرة من الخبز ، والتعب الذى يذوب فى غمضة العين ساعة النوم ، وما عدا ذلك ؛ مما يحمله البائسون فإنما هو من أثقال السعداء ، لأنه لابد من ظهور للحمل .
  • لا تحسبن الأغنياء المجرمين على غنى ؛ فإن كل شئ يسرق حتى الغنى ، وحتى اللص يسرق نفسه من يد الشرطى بعد أن يكون قد جمعها عليه ، والفقير الذى يطمح إلى الغنى كالغنى الذى يطمح إلى ما هو أغنى : كلاهما فقر وكلاهما طريق إلى الجريمة !
  • أفتحزن أيها الفقير على أنك تشترى بعمرك هناء القلب وعافية الجسم ومحبة الناس وثواب الله وابتسامة الموت ؟
  • إنى لأرى قوماً يعفون لحاهم ليجعلوا سبالها الطويلة حبالاً تتعلق بها النفوس الساقطة إلى السماء ، وآخرين يقيسون ما بين حيطان المساجد بجباههم فلا تجد موضع شبر إلا وقد سجدوا عليه لتصير هذه الجبهة الضيقة " ذراعاً معمارياً " .. فى قسمة الجنة التى عرضها السماوات والأرض .. اجترءوا على الله ليراهم الناس أقوياء فلا يجترئ عليهم أحد ، ولا يبالوا بأن الله " سيأخذهم " بذنوبهم ما دام ذلك لا يكون إلا بعد أن يأخذوا من الناس وهذه السين – سين التسويف – طويلة العمر جداً عند هذه الفئة وأمثالهم من الغافلين ؛ فإن عمرها يبلغ ما بين الواهم والحقيقة ؛ وما بين نعيم الدنيا وعقاب الآخرة .
  • الشاعر الصحيح رجل الكمال السماوى ؛ لأن الشعر إذا لم يكن مع الشرائع كان عليها ، وفى ذلك فساد كبير .
  • الشاعر الزائف كالدينار الزائف : كلاهما لا يجوز على أحد إلا مع الغفلة ؛ وكلاهما رذيلة فى نفسه بالغش ومصيبة على غيره بالخسارة . وإن الذباب ليقع على الزهر كما يقع النحل ليجنى العسل ، وإنه ليطن فى الروض كما تغرد الطيور لترقيص قلوبها الصغيرة ؛ ثم يطير عن الزهرة ذباباً كما وقع ويسكت ذباباً كما طن ، وكيفما نظرت إليه لا تراه إلا ذباباً ؛ ولكنه من الطير ، ولكنهم من الشعراء !

  • السلطان الحقيقى على الطبيعة سلطان الروح ، لأنها من الله وهذه الطبيعة أداة فى يد الله .
  • من لم يدرس طبائع القلوب المتوجهة فى أنفاس أهلها لا يعلم قلبه شيئاً وإن كان رأسه مكتبة من العلوم .
  • إن الله لا يعامل إلا بالنية ولا يثبت فى سجل الحسنات إلا الرقام القلبية .
  • لست أصدق أن ملحداً يعمل لخير الناس ابتغاء الخير نفسه ، فإن حدثوك بخبر من ذلك فاعلم أنما يريد به الرجل برهاناً على صحة إلحاده الإنسانى ... يخدع به من يقدم له الخير أو من يراه وهو يقدمه ؛ فإنه لسخافته يكفر بالله ويريد أن يعمل بعض عمل الله !
  • أحمق ما يكون المجنون إذا رأيته يتعاقل!
  • اليوم الذى يكون فيه كل الناس عقلاء فى الرأى يكون كل الناس مجانين فى الحقيقة .
  • ليس الفرق النظرى بين المؤمن والملحد إلا فى تسمية جهل العقل بما وراء الطبيعة ، وكل ما تشعب من ذلك فإنما هو براهين علمية على صحة تسمية هذا الجهل .
  • لله منك أيتها الفئة الباغية ! العلم الذى لا يخلق ذبابة ولا أحقر من ذبابة ولكنه يجدها فيتفلسف ويقول لنا : كيف خلقت ؟ هو الذى يريدكم على أن تكذبوا بالخالق .
  • أنا لا أستطيع أن أصدق أن حياتى كلها بما فيها من خير وشر لى وعلى تكون فى مرد الأمر كالذى يرسل فى الهواء صرخة مزعجة ليعرف بعدها أنه سكت وكان ساكتاً قبل ذلك !
  • اذهبوا أيها الملحدون إلى أجهل الناس من العامة وأشباه العامة واقرءوا الإيمان فى كتاب قلبه بعد أن تجردوه من لغة اللسان التى شأنها المبالغة والتمثيل لما لا يتصور بما يتصور!
  • إذا مس أحدكم الضر لم ير بأساً أن يفكر فى الله وأن يرفع إلى السماء عيناً ، فلا يعود إلى إلحاده إلا وهو مؤمن بأنه ملحد وشاك فى أنه مؤمن بذلك ؛ ولولا هذا الشك ، بل ولولا صناعة العقل لكان فى كل شر يصيب أحد الملحدين خير للإيمان كثير .      
  • قد قيل لفيلسوف أملق حتى ساء عليه أثر الفقر : من يدفنك إذا مت ؟ فقال : من يؤذيه نتن جيفتى ؟!
  • إن الأطفال يحبون فطرةً أن يعبثوا بالماء ويتغامسوا فيه ؛ فلا أنكر على الرجال محبتهم أن يعبثوا بالدموع .
  • لو كان المقامر يحزن على مقدار ما أضاعه دون المقادير الوافرة التى قامر عليها وكان يرجو أن يفوز بها ، لما عاد امرؤ قط إلى المقامرة بعد الخسارة الأولى ، وكذلك لو كان الإنسان يهتم للمصيبة على قدرها فى نفسها لا بمقدارها فى نفسه ، لذهب بها فى وقتها ، لأن الوقت يسير بكل شئ تدفعه فيه ، ولكانت هذه المصائب فى تاريخ الإنسان كأنها عطاس يزعج قليلاً ثم يعقب انتهاضاً من عثرة الرأس وراحة .
  • إن المصائب لا تكون على أشدها فجيعة وألماً إلا فى أقوى الناس عقلاً وأضعفهم إيماناً .
  • الحقيقة الخالصة كالصديق الخالص المخلص ؛ يجد الإنسان من المال والمتاع ما يبذله ثمناً للدنيا فيحوزها ولا يجد ثمن الصديق إلا أن يبذل له ذات نفسه!
  • إن ثلاثة تأتى إلى الإنسان من تلقاء نفسها وهو ينتفى منها جهده : هذه المصادفة ، والعداوة ، والنحس ؛ وقلما أحس إنسان بإحداهما إلا فوجئ بثلاثتها جميعاً ، وكذلك أشأم ما يعد فى الشر تعدد شؤمه!
  • إن الحب لا يخلق إلا الحب ولكن جمالها الرائع يصور لى مقابح الناس ومعايبهم .
  • إن أشقى الناس من لا يستطيع أن يجد إلى جنبه فى سورة الجزع نفساً أخرى تجزع له باطمئنان ليطمئن فى جزعه ، وهى الصداقة بعينها ، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم .
  • هكذا كتب على الحب أنه من تولاه فإنه يدعه على حال كأنه فيها روح لا جسم له .
  • الحب جنوناً ، ولكن النبوغ جنون كذلك .
  • ماذا تبلغ العبارة من حب تخرج كل أنة فيه وكأنها صوت انقطاع خيط من خيوط الحياة فى القلب ؟ وماذا تبلغ العبارة من حب يتألم صاحبه وهو يجهل سبب ألمه ، فيحسبه بعض الحمقى يتألم بلا سبب وهو فى رأى نفسه كأنه يتألم بكل أسباب الآلام .
  • ضع اللغات كلها فى فم المحب ، فإن خفقة واحدة من قلبه ستجعلها كلها بلا تأثير كأنها صمت ناطق ، لأن القلب هو الساحل الذى تقف عنده أمواج الألفاظ .
  • لا أرى غير شيئين لا يتخطى إليهما عقل الإنسان ولا تنالهما لغته ، ما وراء القلب ، وما وراء الطبيعة .
  • ليس شئ أقوى من الحق ، ولكن الشريعة فى يد الظالم تجعل الباطل أقوى منه ، وليس شئ أعنف من البغض .

هناك تعليقان (2):

  1. جميل يا محمد ..
    في انتظار المزيد والمزيد

    وفي انتظارك في حملة لا تهجر مدونتك لتنضم إلى المدونين https://www.facebook.com/events/362083823969100/

    ردحذف
    الردود
    1. شكرا على مرورك
      وإن شاء الله أفعل
      نورتى

      حذف