الجمعة، 30 ديسمبر، 2016

الثلاثاء


ما يجعله يذهب إلى عمله في تلك الوحدة الصحية النائية ... ويصل إلى هناك بركوب القطار والأتوبيس والتوكتوك ويسير قليلاً
ويبتسم لنكات رئيسه اللزج ... ويصادق زملاء لا يود رؤية وجوههم
ليتقاضى في نهاية الشهر بضع جنيهات بعد تطبيق الكادر !!ِ

ما يضطره لفعل ذلك وزيادة ... هو أنه لا يتكلف عناء الإعتناء بشئ ...
مرضاه من أهل القرية الفقراء الأميين الذين لا يأبه أحد لهم، فلو قتل أحدهم بتشخيصه، لن ينتبه أحد لذلك... ولربما قال أحدهم :
" لو أخذ الأدوية التي كتبها الدكتور مجدي لما أصابه ما أصابه "

" مجدي " هو اسمه الذي طالما مقته ، فهو إسم لا يُعرف ماهية صاحبه ، فهناك أسماء بمجرد نطقها تعرف حالة صاحبها النفسية وديانته والطبقة الإجتماعية التي ينتمي إليها ... أما اسمه فهو مطاط يشع لزوجة كنكات رئيسه .

لم يذكر أن رئيسه قد عاتبه مرة عن حضوره المتأخر ، ولا انصرافه المبكر ، ولا غفواته بين ذلك .
لا يعتني بمظهره فوق ما يجعله نظيفاً ، ولا يلقي بالاً بما تبقى من شعيرات رأسه على أي جانب تميل ، ولا يشغل فكره بزميلاته في العمل ... وكان قد واجه مشكلة دائمة طوال حياته في التعامل مع من يكتسبن لفظ " زميلات " !!
ولكنهن لا يزدن عن عفاف الممرضة البدينة التى تنهج لمناولتك بعض الشاش من على منضدة مجاورة ، ومدام سماح الإدارية العجوز التي بلغت المعاش إلا قليل ، وهند عاملة النظافة التي تغرقكك في مشاكل أطفالها 

حتى كان أحد أيام الثلاثاء ... يومه المفضل ... أو كان كذلك ... دائماً ما كان يشفق على الثلاثاء ويشعر بمقت الناس له، ولم يحدث فيه شئ يجعل بينهما عداء قبل ذلك اليوم ... لتصير الأيام كلها بلا لون ... بلا حالة مزاجية ... بلا فراغ للرأس.
جاءت هي ... سلوى ... الطبيبة المعاونة له في الوحدة .

ليقل أحدهم إلى هؤلاء الذين يوزعون الأطباء على وحداتهم ، أن يراعوا إرسال مثل تلك الطبيبة إلى شارع الهرم . فمكانها الطبيعي على إحدى الأرصفة بجوار ملهى ليلي بعباءة سمراء ملساء تكشف عن تضطاريس جسدها .
سلوى طبيبة حديثة التخرج قمحاوية تميل إلى الإسمرار  بعيون سوداء ووجه غير معين ، وإنحسار طرحة تدعي كذباً شعراً أملساً  ، وأحمر شفاه صارخ صُنع خصيصاً للبغايا، وقد وُضع بطريقة غير محترفة في محاولة للهروب بذلك من فئة صُنع لها .
وحمالة صدر  تبوء بالفشل في تكوين صدر من لاشئ، وملابس ضيقة يسترها بلطو طويل ينم عن تردد بين العفاف و التبرج.

في اليوم الأول أحب أن يضع الأمور في نصابها الصحيح، فهو لا يرغب فيها وهي لن ترغب فيه، فأخبرها أنها في مقام أخته الصغرى.
ولكن ذلك لم يمنعه من محاولة أن يكون الرجل اللطيف المحبوب، فتلك شهوة الرجال الخالدة في استمالة قلوب النساء ... ولكنها قابلت ذلك بتجهم حصري له ، في حين أن الغمزات والضحكات وصلت إلى حامد فرد الأمن.

يكره موقفها المتردد منه، فهي لا تحبه، ولا تبغضه، فكانت كما وصف العراب : " لا تعطيه أي شئ ... وفي الوقت نفسه لا تجعله يقنط ويرحل "
جعله ذلك يلعن حظه العاثر مع النساء ... حتى الساقطات تنام مع الكلاب في الأزقة، و يدعين الشرف عنده وهو لا يرغب فيهن أصلا ... سوى أن يشعر أنه ما زال يعيش، ولا ينقصه طرف .

خرج في ذلك اليوم مبكراً كعادته ، وصرير أسنانه كعجلات قطار على قضبانه من الغيظ ، وود لو أكل أصابعه لا أن يعض أنامله ... ولا يدور بخلده إلا شئ وحيد ... كيف أترك تلك الوحدة التى لم أعد أهنئ فيها بعدم الإعنتاء ؟!!

أشهراً تمر ... ويأتي ثلاثاء أخر ... يفيق من غفوته على زغرودة
- عقبالك يا دكتور مجدي، خد شوكولاتة
- يتناول إثنان ... إيه يا هند، جوزك إتجوز عليكي ؟
- تف من بقك يا دكتور، الدكتورة سلوى حتتجوز، وقدمت استقالة عشان ح تسافر برة لجوزها ... والله والله عروستك عندي يا دكتور.
- ليه يا بت ، هو حد قالك إني كنت مخمن على الدكتورة سلوى ولا إيه ؟!!
- أنا قلت حاجة ... أنا بس عاوزاك مبسوط ... خش شوف صورة عريسها على الفيس ... حلاوة إيه وطول إيه وعرض إيه ... وشعر إيه ( مع حركة فم الأنثى المصرية على الجانبين في سرعة )

أثاره كلام العاملة ... ليدخل ذلك الموقع الذي يكرهه، وما صنع به حساباً إلا ليشعر أنه مواكب للتقدم ... ويدخل حروف اسمها ... ليرى صورتها مع رجل هو الرجل المثالي لكل إنثى !!
ثم أخذ جولة أخرى في بحر رسائله المهملة ... ليجد منها رسالة قديمة
" دكتور مجدي
أنا عارفة إنك ممكن تبصلي بصة مش كويسة
بس أنا دماغي متفتحة وماعنديش مانع
أقولك إني معجبة بيك
وبأخاف أكلمك وأهزر معاك في الشغل ... عشان ماتلخبطش ويبان عليا
لو انت كمان عندك نفس الشعور ... يا ريت تفاتحني في الموضوع
لو لأ ... يبقى كأن الرسالة دي ماتبعتتش "
الثلاثاء 3 / 11 / 2015

نظر في الساعة قبل أن يغلق الهاتف ... ما زال الوقت مبكراً على الإنصراف ... أغمض عينيه مبتسماً ... أخيراً سأنعم ثانية بعدم الإعتناء .


الأربعاء، 28 ديسمبر، 2016

البيت .... لـــ بهيجة حسين


** قالت : لا تبك يا ولدي أنت رجل والرجال لا يبكون 
لا يا جدتي ، الرجال في بلدي خُلقوا للبكاء 

........................................................

** ولمحتك من بعيد تسيرين مجهدة وسط السائرين، وعندما التقيت عيناي بعينيك اكتوت روحي بملح العطش الذي شقق شفتيك .

........................................................

** أحبها ولم أستطع التخلص من هذا الحب ، أعرف أنك أفضل منها ، لكنه الحب الذي لا نختاره ، هو الحفرة التي نسير إليها ، ونحن نعرف أننا سنقع فيها ، ومع ذلك نواصل السير . أحببتها لدرجة أنني لا أقدر على النظر في عينيها ، هي الألم العذب الذي لا توجد السعادة والاكتمال إلا به . هي التي عرفت معها معنى أن أطير فوق السحاب ، وأن ألمس السماء بأصابعي . إنه الحب الذي لا يأتي سوى مرة واحدة في الحياة ، ولا يحكمه عقل ولا منطق ، لأنه محكوم بنفسه حتى لو كان خطيئة ، تضائلت أمامها كل روايات الحب المكتوبة ، وعجزت أنا عن كتابة حبي لها ، فهو لا يُكتب لأنني أعيشه وأتنفسه .

..................................................

** ليس للفضيحة لون ، للفضيحة طعم العجز المر .

........................................................

** تمنيت دنيا أخرى لكم ليس فيها قتلى ولا قتلة .

الأحد، 25 ديسمبر، 2016

كيف علمت الملائكة ؟!!


قال تعالى : " وإذا قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون " ( البقرة: 30 )

تلك الأية تثير في بعض النفوس أسئلة ، قد يقع المرء في المحظور إذ لم يتتبع أراء العلماء في ذلك ، مثل :
كيف علمت الملائكة أن البشر سيفسدون في الأرض ؟!!
وهل كان سؤال الملائكة لربهم إعتراضاً على خلق الإنسان ؟!! أو حسداً له ؟!!

أقول وبالله التوفيق
اختلف أهل العلم في ذلك على أقوال :
القول الأول : أن الملائكة قالت ذلك بعد إعلام الله تعالى لهم بطبيعة ذرية آدم عليه السلام، وأنهم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء، وهذا مروي عن ابن عباس وابن مسعود وقتادة وابن جريج وابن زيد وهو قول أكثر المفسرين .
قال قتادة: كان الله أعلمهم أنه إذا كان في الأرض خلق أفسدوا فيها وسفكوا الدماء، فلذلك قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها.


القول الثاني : أنهم قاسوه على أحوال من سلف قبل آدم على الأرض ، وهم الجن ، فقد سبقوا الإنسان في الأرض وكانوا يفسدون فيها ويسفكون الدماء .
قال ابن عثيمين : " قول الملائكة : ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ) يرجِّحُ أنهم خليفة لمن سبقهم ، وأنه كان على الأرض مخلوقات قبل ذلك تسفك الدماء وتفسد فيها "

القول الثالث : أنهم فهموا ذلك من الطبيعة البشرية ، حيث أنه بعلمهم لتكوين الإنسان الجسدي والعقلي ، علموا أنه تركيب يستطيع صاحبه أن يخرج عن الجبلة إلى الاكتساب ، وعن الامتثال الى العصيان .
وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية

القول الرابع : أنهم فهموا من قوله تعالى ( خليفة ) أنه الذي يفصل بين الناس ما يقع بينهم من المظالم ، ويردعهم عن المحارم والمآثم ، وإذا كان هناك خليفة يحكم بين الناس في المظالم ، فإنه يلزم من ذلك أن هؤلاء الناس تقع منهم المظالم.
وهو ما قال به القرطبي .
وهنا يتضح أن كل ما قيل من أقوال أهل العلم ما هو إلا إجتهادات واستنباطات ، قد تصيب وقد تخطئ ، لأنه ليس عليها دليل من الكتاب والسنة .
وتلك من الأمور التي لا يضر الجهل بها ، والمطلوب هو تعلم العظة والعبرة من تكريم الله للإنسان وإسجاد الملائكة له .
 ،أما عن توهم البعض لإعتراض الملائكة على خلق الإنسان أو حسدهم له 
 قال ابن كثير رحمه الله : " وقول الملائكة هذا ليس على وجه الاعتراض على الله ، ولا على وجه الحسد لبني آدم ، كما قد يتوهمه بعض المفسرين , وقد وصفهم الله تعالى بأنهم لا يسبقونه بالقول ، أي : لا يسألونه شيئاً لم يأذن لهم فيه , وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك ؛ يقولون: يا ربنا ما الحكمة في خلق هؤلاء ، مع أن منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء ؟!! فإن كان المراد عبادتك فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك ، أي نصلي لك ، ولا يصدر منا شيء من ذلك, وهلا وقع الاقتصار علينا ؟
قال الله تعالى مجيباً لهم عن هذا السؤال : " إني أعلم مالا تعلمون " أي : إني أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف ، على المفاسد التي ذكرتموها ، مالا تعلمون أنتم ؛ فإني جاعل فيهم الأنبياء ، وأرسل فيهم الرسل ، ويوجد منهم الصديقون والشهداء والصالحون والعباد والزهاد والأولياء والأبرار والمقربون والعلماء والعاملون والخاشعون والمحبون له تبارك وتعالى المتبعون رسله صلوات الله وسلامه عليهم "

الخميس، 1 ديسمبر، 2016

اختيار أم إجبار


أستحلفك بالله 
أستحلفك بكل ما يجوز أن يحلف المرء به 

أن تخبريني 
هل يختار المرء الحب إختياراً ؟ 
أم يٌجبر عليه إجباراً ؟!!

هل اختارك ثم أحبك ؟
أم أحبك ثم اختارك ؟!!

وكيف أحبك أولاً 
وقد حاصروني بحرمة كل شئ 
وحرمة كل إتصال
فانقطعت كل السبل لحبك 

وكيف أختارك 
وقد حاصروني بمظاهر خادعة 
لا ينفك أن تجلس معها جلسة 
لتعلم أن العقل خاوي إلا من بعض المسلسلات التركية والأفلام الهندية 

لا أريد أن أطرق كل باب لألقاك 
فأنا غير مقتنع بثقافة " التدوير " بكل معانيه 
ولا أريد علاقة محرمة 
أشعر فيها أني أسرق 

وبهذا نصل يا حبة القلب 
إلى نتيجة حتمية 
لا أرتضيها أنا ولا انتى 
لا يمكن أن ألقاك في وقت قريب